شهاب الدين أحمد الإيجي

413

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل

ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة بعد العمى » « 1 » . 1056 ومن غرر كلامه ودرر نظامه عليه من اللّه تعالى زواكي تحياته عندما تلا قول اللّه تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ « 2 » : « إنّ اللّه سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، وتبصر به بعد العشوة ، وتنقاد به بعد المعاندة ، وما برح للّه تعالى - عزّت آلاؤه - في البرهة بعد البرهة ، وفي أزمان الفترات ، عباد ناجاهم في فكرهم ، وكلّمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظته في الأسماع والأبصار والأفئدة ، يذكّرون بأيّام اللّه ، ويخوّفون مقامه بمنزلة الأدلّة في الفلوات ، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه ، وبشّروه بالنجاة ، ومن أخذ يمينا وشمالا ذمّوا إليه الطريق ، وحذّروه من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات ، وأدلّة تلك الشبهات . وإنّ للذكر أهلا أخذوه من الدنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيّام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم اللّه تعالى في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم منها ، فشاهدوا ما وراء ذلك ، وكأنّما أطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحقّقت القيامة عليهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا ، حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون ، فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ، ومجالسهم المشهودة ، وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصّروا عنها ، أو نهوا عنها ففرّطوا فيها ، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها ، فنشجوا نشيجا ، وتجاوبوا نحيبا ، يعجّون إلى ربّهم من مقام ندم واعتراف ، لرأيت أعلام هدى ، ومصابيح دجى ، قد حفّت بهم الملائكة ، وتنزّلت عليهم السكينة ، وفتحت لهم أبواب السماء ، وأعدّت لهم مقاعد الكرامات ، في مقعد اطّلع اللّه تعالى عليهم فيه ، فرضي سعيهم ، وحمد مقامهم ، يتنسّمون بدعائه روح التجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ، وأسارى ذلّة لعظمته ، جرح طول الأسى قلوبهم ، وطول البكاء عيونهم ، لكلّ باب رغبة إلى اللّه تعالى منهم يد قارعة ، يسألون

--> ( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 4 : 38 رقم 207 خطبة رقم 216 . ( 2 ) . النور : 37 .