شهاب الدين أحمد الإيجي
412
فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل
فعل ، فهنالك يذلّ الأبرار ، ويعزّ الأشرار ، وتعظم تبعات اللّه تعالى عند العباد . فعليكم بالتناصح في ذلك ، وحسن التعاون عليه ، فليس أحد - وإن اشتدّ على رضا اللّه تعالى حرصه ، وطال في العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما اللّه تعالى أهله من الطاعة له ، ولكن من واجب حقوق اللّه تعالى على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم ، والتعاون على إقامة الحقّ فيهم . وليس امرؤ - وإن عظمت في الحقّ منزلته ، وتقدّمت في الدين فضيلته - بفوق أن يعان على ما حمّله اللّه تعالى من حقّه ، ولا امرؤ - وإن صغّرته النفوس ، واقتحمه العيون - بدون أن يعين على ذلك ويعان عليه » . فأجابه رجل من أصحابه بكلام طويل ، يكثر فيه الثناء عليه ، ويذكر سمعه وطاعته له ، فقال عليه السّلام : « إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه تعالى في نفسه ، وجلّ موضعه من قلبه ، أن يصغر عنده كلّ ما سواه ، وإنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه تعالى عليه ، ولطف إحسانه إليه ، فإنّه لم تعظم نعمة اللّه تعالى على أحد ولطف إحسانه إليه إلّا ازداد حقّ اللّه تعالى عليه عظما ، وإنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظنّ بهم حبّ الفخر ، ويوضع أمرهم على الكبر ، وقد كرهت أن تكون حالي في ظنّكم أنّي أحبّ الإطراء ، واستماع الثناء ، ولست - بحمد اللّه تعالى - كذلك ، ولو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة والكبرياء ، وربّما استحلّ « 1 » الناس الثناء بعد البلاء ، فلا تثنوا عليّ بحميد « 2 » ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه تعالى وإليكم من البقيّة في حقوق ، ولم أفرغ من أدائها ، وفرائض لا بدّ من إمضائها ، فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة ، ولا تتحفّظوا منّي بما تتحفّظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطوني بالمصانعة ، ولا تظنّوا بي استثقالا بحقّ قيل لي ، ولا التماس إعظام لنفسي ، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له ، والعدل أن يعرض عليه ، كان العمل بهما عليه أثقل ، فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطأ ولا آمن ذلك من فعلي ، إلّا أن يكفى اللّه تعالى من نفسي ما هو أملك به منّي ، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره ، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ، وأخرجنا
--> ( 1 ) . في المصدر : استحلى . ( 2 ) . في المصدر : بجميل .