شهاب الدين أحمد الإيجي
334
فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل
واحتجّوا بقوله تعالى أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ « 1 » وبقوله تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ « 2 » والإنفاق غليظ في المحنة ، وهو يعدل البذل للنفس ، فإنّهما جودان : جود بالنفس وجود بالمال ، وما سواهما محال عندهما . ثم سألناهم عن الدرجة التي تلي درجة الإنفاق ، فقالوا : درجة أهل الورع ، واحتجّوا بقول اللّه عزّ وجلّ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ « 3 » وقوله تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ « 4 » فهذه علامات أهل الورع . ثم سألناهم عن الدرجة التي تلي درجة أهل الورع ، فقالوا : الزهد في الدنيا ، واحتجّوا بقوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلى قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ « 5 » وبقوله تعالى : أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ « 6 » الآية . فلمّا عرفنا هذه ما أجمعوا عليه من هذه الدرجات التي يتفاضل بها المؤمنون ، قلنا لهم : خبّرونا عن هذه الدرجات التي قد اجتمعت في رجل ، هل يدفعه أحد لم يجتمع فيه ؟ قالوا : اللّهمّ لا ، قلنا : فما حكمه ؟ قالوا : حكمه أنّه أفضل المؤمنين ، إلّا أن يكون مؤمن آخر قد اجتمعت فيه الدرجات فيكونا سواء ، قلنا : فهل عندكم حجّة تدفعون بها هذه المقالة ؟ قالوا : اللّهمّ لا ، وذلك أنّ كلّ درجة من هذه الدرجات قائمة بعينها ، وقد أنزل اللّه سبحانه فيها كتابا ، ووعد عليها ثوابا لا يشبه ما وعد اللّه تعالى في الدرجة الأخرى . فلمّا أقروا بذلك ، قلنا لهم : هل بقي شيء تحتجّون به وترجعون عمّا أقررتم به ؟ قالوا : لا نعرف في شيء من القرآن ، ولا في قول قائل ، ولا في المعقول ، قلنا لهم : خبّرونا عن هذه الدرجات من الذي اجتمعت فيه ، ومن فيه بعضها دون بعض ، وسمّوهم لنا .
--> ( 1 ) . البقرة : 254 . ( 2 ) . محمد : 38 . ( 3 ) . المؤمنون : 1 . ( 4 ) . النور : 37 . ( 5 ) . يونس : 24 . ( 6 ) . الحديد : 20 .