الشيخ السبحاني

476

سيد المرسلين

وفي اليوم العاشر من شهر رمضان من السنة الثامنة أصدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أوامره بالخروج ، وكان قد أصدر أوامره للمسلمين كافة من قبل بالاستعداد والتهيؤ للخروج . ( 1 ) ثم إنه استخلف على المدينة رجلا من بني غفار يدعى « أبا رهم » ثم استعرض جيشه خارج المدينة على عادته . ثم لما كان صلّى اللّه عليه وآله بمكان يدعى « الكديد » طلب شيئا من الماء امام المسلمين ، وافطر به في تلك الساعة من النهار ، وامر الجند بان يفطروا اقتداء به هم أيضا . فأفطر أكثر المسلمين ، وأمسك البعض ولم يفطر ظنا بأن الجهاد في حالة الصوم أفضل ، وأكبر أجرا ، ولم يعرف هؤلاء السذّج غير المفطرين ، بان النبي صلّى اللّه عليه وآله الذي أمر بالافطار في شهر رمضان في تلك الحال ، هو نفسه الذي أمر بالصوم أيضا فإذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قائد حق ودليل سعادة فإنه - في كلتا الحالتين - يريد سعادة الناس ، وينشد خيرهم ، فلا معنى إذن لأن يطاع في أمره ، ولا يطاع في نهيه . وهذا غضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لامتناع ثلة من المسلمين عن الإفطار كما أمر وقال عنهم : « أولئك العصاة » ! ! « 1 » . وأمرهم بأن يفطروا قائلا : « إنكم مصبحوا عدوّكم ، والفطر أقوى لكم » . ( 2 ) إنّ مثل هذا التقدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وتجاهل أمره ما هو في الحقيقة إلّا نوع من الانحراف عن الحق ، وهو يكشف عن ضعف في ايمان الجماعة العاصية ، المتمردة عن أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله . ولهذا نزل فيه قرآن يلومهم ، ويوبّخهم على عصيانهم إذ قال سبحانه : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » « 2 » .

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 7 ص 124 ، السيرة الحلبية : ج 3 ص 90 ، المغازي : ج 2 ص 802 . ( 2 ) الحجرات : 1 .