الشيخ السبحاني

122

سيد المرسلين

من هنا بدأ يهود بني قينقاع قبل غيرهم من طوائف اليهود العائشة في تلك الديار بتدبير المؤامرات ، وممارسة الأعمال الإيذائية ضدّ المسلمين والقيام بالحرب الباردة ( الإعلامية ) ضدّهم ، وذلك بنشر الأكاذيب وبثّ المعلومات الكاذبة ، واطلاق الشعارات القبيحة ، وانشاد القصائد التي من شأنها الإساءة إلى المسلمين وتحقيرهم ، وتخريب معنوياتهم . وبهذا يكون اليهود قد بدءوا عمليّا بنقض معاهدة التعايش السلمي التي ذكرناها سلفا ، والتي عقدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله معهم في إبّان قدومه المدينة . ( 1 ) ولم تكن هذه الحرب الباردة الشريرة لتبرر تصدي القوى الاسلامية لها بالحرب الساخنة ، واستعمال السلاح ، لأن ما يمكن حله بسلاح المنطق لا يحبذ أن يعالج بمنطق السلاح ، وخاصة أن الرد الساخن والمسلح يؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المدينة ، والحال أن المحافظة على الوحدة السياسية ، واستتباب الأمن والاستقرار في المدينة كان مما يهمّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله جدا وهو يواجه أعداء أشداء من الخارج . فلم يكن من مصلحة الاسلام والمسلمين تفجير الموقف في عاصمة الاسلام ، يومئذ . ولهذا - وبغية اتمام الحجة على يهود بني قينقاع - وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ذات يوم في سوقهم بعد أن جمعهم فيه ثم قال لهم : « يا معشر يهود احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم انّي رسول اللّه ( أو أني نبي مرسل ) تجدون ذلك في كتابكم وعهد اللّه إليكم » . وهنا نزل قول اللّه تعالى : « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ . قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ