العلامة المجلسي

265

بحار الأنوار

التناقض في القرآن حيث قال أجد الله يقول : " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " ( 1 ) ويقول : " وإني لغفار لمن تاب " ( 2 ) فقال عليه السلام : وأما قوله " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " وقوله " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " فان ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء وليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة ، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد وإقرارها بالله ، ونجا سائر المقرين بالوحدانية من إبليس فمن دونه في الكفر ، وقد بين الله ذلك بقوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون " ( 3 ) وبقوله " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " ( 4 ) . وللايمان حالات ومنازل يطول شرحها ، ومن ذلك أن الايمان قد يكون على وجهين ايمان بالقلب وإيمان باللسان كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لما قهرهم السيف ، وشملهم الخوف ، فإنهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم فالايمان بالقلب هو التسليم للرب ، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره كما استكبر إبليس عن السجود لآدم واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم فلم ينفعهم التوحيد ، كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل ، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة فلذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة ، وطريق الحق وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته ، وإرسال رسله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه ، ومتعلم على سبيل نجاة ، أولئك هم الأقلون عددا . وقد بين الله ذلك في أمم الأنبياء ، وجعلهم مثلا لمن تأخر مثل قوله في

--> ( 1 ) الأنبياء : 94 . ( 2 ) طه : 82 . ( 3 ) الانعام : 82 . ( 4 ) المائدة : 41 .