أحمد بن محمد بن علي العاصمي
18
العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى
--> على حسب ما أخبر كسائر ما أخبر [ به ] عن الكوائن ، ولو كان المراد به الخلافة بعد موته وحصل الأمر على خلاف ما قال ، لكان للملاحدة فيه مطعن ومقال ، ولأنّ هارون مات قبل موسى صلوات اللّه عليه ، فلم يكن خليفته بعد موته » . وهذا القول من المصنّف أيضا عليل من جهات : الأولى من جهات ضعفه هو ما أشرنا إليه الآن من أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « أنت منّي . . . » أعطى عليّا خلافة دائمة مطلقة غير مقيّدة ببعد وفاته صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، وبعد هذا الإعطاء والموهبة صار خليفة مطلقة للنبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم في حياته ، وبما أنّ خلافته لم تتعقّب بعزل ، استمرّت إلى بعد وفاة النبي وورثها منه أولاده صلوات اللّه عليهم أجمعين . وبما ذكرناه تبيّن أنّه لا محصّل لما ذكره المصنّف بعد ذلك من قوله : « لوجب أن يكون المخبر على حسب ما أخبر . . . » إذ كلام النبي وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم إنشاء وإيجاد وإعطاء ، والإنشاء لا يتسرّى إليه الكذب ، إذ الصدق والكذب من خواصّ الإخبار لا الإنشاء ، فبمجرّد قول النبي لعلي : « أنت منّي . . . » قد حصل مراد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وهو خلافة عليّ وزعامته على الأمّة ، ولم يتخلّف مراده عن إرادته ، كما يحصل البيع من البائع بقوله للمشتري : « بعتك كذا وكذا بكذا وكذا » ، وكما يحصل الوقف من الواقف إذا بنيّة الوقف يقول : « وقفت ضيعتي أو داري أو كذا » ، وكما يحصل عتق المملوك بمجرّد قول مالكه بعنوان تحرير عبده : « أعتقتك في سبيل اللّه » ، وما أكثر أشباه هذه الأمور في اعتبارات العقلاء ، منها الزواج والطلاق . فقد تجلّى أنّه قد حصل مراد النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو جعل الخلافة لعليّ - بمجرّد قوله لعليّ بداعي إعطاء الخلافة له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى . . . » كما حصل نبوّة هارون ورسالته بمجرّد قوله تعالى له ولموسى : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وإن كان فرعون وقومه لم يقبلوا رسالة موسى وهارون ، وهل يزعم المصنّف أنّ عدم قبول فرعون وقومه رسالة موسى وهارون من جملة أسباب طعن الملاحدة في قول اللّه تعالى ! ! !