أحمد بن محمد بن علي العاصمي
84
العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى
فان قيل : ما معنى هذا الكافور وما هو ؟ قلنا : فيه وجهان : أحدهما : أن يكون تشبيه ريحها وطعمها بالكافور . والثاني : أن يكون اسما لعين من عيون الجنّة يمزج لهم خمرهم بمائها . وقال الفرّاء [ في ] الكافور ، يقال : إنّها عين تسمّى الكافور وقد يكون كلّ مزاجها كالكافور الطيّب ريحه فلا يكون حينئذ اسما . فإن قيل : كيف قال : كانَ مِزاجُها كافُوراً وأصل « كان » للماضي وهذا شيء لم يكن بعد ؟ قلنا : فيه ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون كان ممثّلا بالماضي ومعناه المستقبل ، مثل قوله وَجاءَ رَبُّكَ وَقالَ الشَّيْطانُ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ ، وقال الشاعر : فإنّي لآتيكم بسكر ما مضى * من الأمر واستيجاب ما كان في غد أراد ما يكون . الثاني : قال أبو علي الجرجاني : « كان » هاهنا زائدة والعرب تزيدها في أضعاف الكلام ، ولا معنى لها مثل قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ 110 / آل عمران : 3 ] أي أنتم ، ومثله / 95 / : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها [ 143 / البقرة : 2 ] يريد أنت عليها ، ومن ذلك قول الشاعر : فكيف ولو رأيت ديار قوم * وجيران لنا كانوا كرام أراد وجيران كرام كانوا لنا . الثالث : وأقول قول الجرجاني رحمه اللّه : وأمّا ما يحتاج إلى تأويل وتدبّر وذلك لأنّه ملغى ؟ كان في قوله كانَ مِزاجُها كافُوراً ويحتجّ بقول الشاعر : « وجيران لنا كانوا كرام » . ثمّ يدّعي فيه تقديم اللفظ وتأخيره على معنى : « وجيران كرام كانوا لنا » فحينئذ يبطل معنى الإلغاء الّذي ادّعاه لأنّه أفاد معنى صحيحا . وكذلك قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ وأن صرفه من [ في « خ » ] ظاهر لفظه إلى معنى أنتم أحد الوجوه ، مع أنّه لا حاجة هنا إلى صرفه عن لفظه كان معناه : « كنتم في سابق علمنا حين قسمنا الأمم خير أمّة » . وكذلك قوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أي كنت عليها قبل أن