هاشم معروف الحسني

194

سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )

النجاح ضعيفا ، فلا لوم ولا غبار على هذا الموقف الذي كانت تفرضه مصلحة الاسلام العليا ، والسورة في واقعها واردة في مقام التوبيخ والتحقير لأولئك المشركين الذين اقبل عليهم النبي بقصد ان يستميلهم إلى الاسلام ويرغبهم ، فاللّه سبحانه يقول لنبيه في هذه الآيات انك تتعجل النصر لدين اللّه حتى بلغ بك الأمر ان ترجوه عن طريق اشقى الخلق وأكثرهم فسادا وضلالا ، دع هؤلاء في طغيانهم وضلالهم فإنهم أحقر من أن ينتصر اللّه بهم لدينه وأضعف من أن يقفوا في طريق الاسلام وتقدمه ، فإن اللّه سيذل أعداءه مهما بلغوا من الجاه والمال ، اما الذي يخشى وتنفعه الذكرى فهو الذي يستحق ان تلتفت إليه ويستحق منك التكريم والتعظيم سواء كان أعمى كابن أمّ مكتوم أو غيره من الناس . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى يريد بذلك ان هذا الأعمى الفقير لو استجبت لرغبته وعلمته بعض الأحكام ، ينتفع بما تلقيه عليه من القرآن والاحكام . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى اي انك أعرضت عن الأعمى وتصديق لهداية هذه الطبقة من الأغنياء ، في حين انهم منصرفون عما تطلبه لهم ، ولا يضرك كفرهم وجحودهم ، بل يضرون أنفسهم ، وإلى ذلك تشير الآية ، وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ، فالسورة كما اشتملت على توبيخ المشركين وتحقيرهم كذلك اشتملت على ارشاد النبي ( ص ) إلى عدم المبالاة بهذه الطبقة من الناس الذين لا يضرون إلا أنفسهم في اصرارهم على الشرك وتماديهم في الباطل والضلال . وهذا المعنى غير بعيد عن أسلوب القرآن الكريم ، فلقد انزل اللّه في المشركين بعض الآيات للدلالة على مصيرهم المحتوم ، حتى لا يغتر بهم النبي ولا يطمع في هدايتهم حسب المناسبات التي تدعو لذلك . فمن ذلك ما نزل في أبي لهب وزوجته أم جميل حمالة الحطب .