العلامة المجلسي
208
بحار الأنوار
ضعف النفس ، بل النفس تقوى عند النوم فتشاهد الأحوال وتطلع على المغيبات ، فهذا يقوي الظن في أن موت البدن لا يستعقب موت النفس . الثاني أن كثرة الأفكار سبب لجفاف الدماغ ، وجفافه مؤد إلى الموت ، وهذه الأفكار سبب لاستكمال النفس بالمعارف الإلهية ، وهو غاية كمال النفس ، فما هو سبب لكمال النفس فهو سبب لنقصان البدن ، فهذا يقوي الظن في أن النفس لا تموت بموت البدن . الثالث أن أحوال النفس على ضد أحوال البدن ، وذلك لان النفس إنما تفرح وتبتهج بالمعارف الإلهية ، كما قال تعالى : " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " ( 1 ) وقال صلى الله عليه وآله : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني . ولا شك أن ذلك الشراب ليس إلا عبارة عن المعرفة والمحبة والاستنارة بأنوار عالم الغيب ، وأيضا فإنا نرى أن الانسان إذا غلب عليه الاستبشار بخدمة سلطان أو الفوز بمنصب أو بالوصول إلى معشوق قد ينسى الطعام والشراب ، وبالجملة فالسعادات النفسانية كالمضادات للسعادات الجسمانية ، وكل ذلك يغلب على الظن أن النفس مستقلة بذاتها ولا تعلق لها بالبدن ومتى كان كذلك وجب أن لا تموت النفس بموت البدن وأما قوله تعالى : " يرزقون " فاعلم أن المتكلمين قالوا : الثواب منفعة خالصة ، دائمة ، مقرونة بالتعظيم ، فقوله : " يرزقون " إشارة إلى المنفعة ، وقوله : " فرحين " إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الإلهية كانت مبتهجة من وجهين : أحدهما بكون ذواتها مستنيرة ، مشرقة ، متلألئة بتلك المعارف الإلهية ، والثاني بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة ، قالوا : وابتهاجها بهذا القسم أتم من ابتهاجها بالأول ، فقوله : " يرزقون " إشارة إلى الدرجة الأولى ، وقوله : " فرحين " إلى الدرجة الثانية ، ولذا قال : " فرحين بما آتيهم الله من فضله " يعني فرحهم ليس بالرزق ، بل بإيتاء الرزق ، لان المشغول بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن طلب الرزق لغيره فهو محجوب . انتهى .
--> ( 1 ) الرعد : 28 .