هاشم معروف الحسني

12

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

من ذلك بقليل حسب اختلاف الروايات في تاريخ ولادته ، وكان قد سماه حسينا كما سمى أخاه حسنا من قبله ، وظل في رعايته إلى أن انتقل لربه ، فكانت نفسه الكريمة على صغره ترسم كل ما يصدر عن النبي من قول وفعل ، فلم يعرف أحدا قبل جده ولا أحس بعطف انسان قبل عطفه وكان يغذيه من لسانه ما يكفيه اليومين والثلاثة على حد تعبير الرواة حتى اشتد وثبت لحمه واتسعت نفسه الكبيرة لمعاني الرسالة وأهدافها وغمرته بروحانيتها ، وقال فيه جده أكثر من مرة : حسين مني وأنا من حسين . وروى الرواة عن البراء بن عازب أنه قال : رأيت النبي ( ص ) يحمل الحسين على عاتقه ويقول : اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ، وانتقل بعد جده إلى أحضان أبيه أمير المؤمنين ، وهو في السابعة من عمره ، وشارك أباه وأمه في محنتهما بفقد الرسول واقصاء أبيه عن حقه في الخلافة ، وشاهد أمه خلال الأشهر القليلة التي عاشتها بعد جده لا يقر لها قرار لفراق أبيها تندبه في الليل والنهار ، ولا يفوتها وهي في هذا الجو القاتم أن تطالب القوم بما اغتصبوه منها ومن ابن عمها وتقارعهم بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة ، وهم جادون في هضمها واغتصاب حقها ، حتى بلغ بهم الحال ان هاجموا بيتها وهموا بإحراقه بمن فيه كما حدث الرواة بذلك . لقد شاهد أبو عبد اللّه الحسين كل ذلك في مطلع صباه فكان يتلوى من الألم ويقاسي مرارة تلك الاحداث وهو إلى جانب أبيه وأخيه حتى كانت وفاة أمه فتضاعفت آلامه واشتد وقعها على نفسه ، وبقي إلى جانب أبيه يتأسى بصبره وجلده حتى اجتاز تلك المرحلة من حياته بنفس مطمئنة لقضاء اللّه وقدره كما اجتازها أبوه وأخوه ، وبقي إلى جانب أبيه أكثر من ثلاثين عاما مخلصا لرسالة جده متنكرا للباطل وأهله شديدا على الظالمين لا يهادن ولا يحابي أحدا على حساب دينه ، ولا تغريه دنياهم بما فيها من مفاتن ومغريات ، ينشطه الجور ويوقظه الظلم ويثيره أنين الضعفاء وعويل المنكوبين ، فيرفع صوته الذي كان يدوي في أطراف الحجاز والعراق فيقض مضاجع الظلمة والطغاة :