هاشم معروف الحسني
394
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )
لقد وقف بين الجموع المحتشدة التي كانت تنتظر منه غير ما ألفته من قبل ، فقال : أيها الناس إنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعلي ما عليكم وأني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمرت به ، ومضى يعلن على ذلك الملأ الخطوط العريضة لسياسته ، فكان مما قال : إلا أن كل قطيعة اقطعها عثمان بن عفان وكل مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود في بيت اللّه ، فإن الحق لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوج به النساء وملكت به الإماء وفرق في البلدان لرددته فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق ، أيها الناس لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا الخيل واتخذوا الوصائف إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم على حقوقهم التي يعلمون ، حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ، إلا وأيّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول اللّه يرى أن الفضل له على سواه بصحبته ، فإن الفضل غدا عند اللّه وثوابه وأجره على اللّه ، إلا وأيما رجل استجاب للّه ورسوله فصدق ملتنا ودخل ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده ، فأنتم عباد اللّه والمال مال اللّه يقسم بينكم بالسوية ولا فضل فيه لأحد على أحد ، للمتقين عند اللّه أحسن الجزاء ، فإذا كان الغد فاغدوا علينا إن شاء اللّه ولا يتخلفن أحد منكم عربي أو عجمي كان من أهل العطاء . فرسم لهم بهذا البيان سياسته التي ستقوم على العدالة والتي تتسع لجميع الناس ولا تعطي امتيازا لأحد على أحد . فعز على كثير من المهاجرين من قرشيين وغيرهم أن يكونوا كغيرهم من الموالي والعبيد وبخاصة طلحة والزبير اللذين وضعهما ابن الخطاب في مستوى علي وكانا يطمعان وقد فاتتهما الخلافة في ولاية المصرين البصرة والكوفة وها هو اليوم في بيانه التاريخي يضعهما في مستوى العبيد والموالي ويأبى لهما مع ذلك أن يتوليا أي عمل له ، وقد قال لهما برفق ولين حينما طلبا منه ذلك : أحب أن تكونا معي أتجمل بكما واستأنس برأيكما ، فاني استوحش لفراقكما . وأصر علي ( ع ) على موقفه ذلك لأن اطماعهما لم تكن لتخفى عليه وقد عرفهما صغيرين وكبيرين ، ورآهما بالأمس القريب يحرضان على عثمان لا غضبا