صفي الرحمان مباركفوري
70
الرحيق المختوم
هذه النصيحة العالية هي غاية البلاغ ، فقد أوضح الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم . وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند اللّه . الصدع بالحق وردود فعل المشركين ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ الحجر : 94 ] فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعكر على خرافات الشرك وترهاته ، ويذكر حقائق الأصنام وما لها من قيمة في الحقيقة ، يضرب بعجزها الأمثال ، ويبين بالبينات أن من عبدها وجعلها وسيلة بينه وبين اللّه فهو في ضلال مبين . انفجرت مكة بمشاعر الغضب ، وماجت بالغرابة والاستنكار ، حين سمعت صوتا يجهر بتضليل المشركين وعباد الأصنام ، كأنه صاعقة قصفت السحاب ، فرعدت وبرقت وزلزلت الجو الهادئ ، وقامت قريش تستعد لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة ، ويخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها . قامت لأنها عرفت أن معنى الإيمان بنفي الألوهية عما سوى اللّه ، ومعنى الإيمان بالرسالة وباليوم الآخر هو الانقياد التام والتفويض المطلق ، بحيث لا يبقى لهم خيار في أنفسهم وأموالهم ، فضلا عن غيرهم . ومعنى ذلك انتفاء سيادتهم وكبريائهم على العرب ، التي كانت بالصبغة الدينية ، وامتناعهم عن تنفيذ مرضاتهم أمام مرضاة اللّه ورسوله ، وامتناعهم عن المظالم التي كانوا يفترونها على الأوساط السافلة ، وعن السيئات التي كانوا يجترحونها صباح مساء . عرفوا هذا المعنى فكانت نفوسهم تأبى عن قبول هذا الوضع « المخزي » لا لكرامة وخير بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ [ القيامة : 5 ] . عرفوا كل ذلك جيدا ، ولكن ما ذا سيفعلون أمام رجل صادق أمين ، أعلى مثل للقيم البشرية ولمكارم الأخلاق ، لم يعرفوا له نظيرا ولا مثيلا خلال فترة طويلة من تاريخ الآباء والأقوام ؟ ما ذا سيفعلون ؟ تحيروا في ذلك ، وحق لهم أن يتحيروا . وبعد إدارة فكرتهم لم يجدوا سبيلا إلا أن يأتوا إلى عمه أبي طالب ، فيطلبوا منه أن يكف ابن أخيه عما هو فيه ، ورأوا لإلباس طلبهم لباس الجد والحقيقة أن يقولوا : إن الدعوة إلى ترك آلهتهم ، والقول بعدم نفعها وقدرتها سبة قبيحة وإهانة شديدة لها ، وفيه تسفيه وتضليل لآبائهم الذين كانوا على هذا الدين ، وجدوا هذا السبيل فتسارعوا إلى سلوكها .