صفي الرحمان مباركفوري
71
الرحيق المختوم
وفد قريش إلى أبي طالب قال ابن إسحاق : مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافة ، فنكفيكه . فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا ، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ما هو عليه ، يظهر دين اللّه ، ويدعو إليه « 1 » . المجلس الاستشاري لكف الحجاج عن استماع الدعوة وخلال هذه الأيام أهم قريشا أمر آخر ، وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج ، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم ، فرأت أنه لا بد من كلمة يقولونها للعرب في شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب ، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في تلك الكلمة ، فقال لهم الوليد : أجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ، قالوا : فأنت فقل ، قال : بل أنتم فقولوا ! أسمع . قالوا : نقول : كاهن . قال : لا واللّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان ، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه . قالوا : فنقول : مجنون . قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا : فنقول : شاعر . قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ، قالوا : فنقول : ساحر . قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم . قالوا : فما نقول ؟ قال : واللّه إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا : ساحر . جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنه بذلك « 2 » . وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له ، قالوا : أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه ، فقال لهم : أمهلوني حتى أفكر في ذلك ، فظل الوليد يفكر ويفكر ، حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفا « 3 » . وفي الوليد أنزل اللّه تعالى ست عشرة آية من سورة المدثر ( من 11 إلى 16 ) وفي
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 265 . ( 2 ) نفس المصدر 1 / 271 . ( 3 ) انظر في ظلال القرآن 29 ، 188 .