صفي الرحمان مباركفوري

69

الرحيق المختوم

ثم دعاهم ثانية وقال : « الحمد للّه أحمده ، وأستعينه ، وأومن به ، وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له . ثم قال : إن الرائد لا يكذب أهله واللّه الذي لا إله إلا هو ، إني رسول اللّه إليكم خاصة ، وإلى الناس عامة ، واللّه لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا » . فقال أبو طالب : ما أحب إلينا معاونتك ، وأقبلنا لنصيحتك ، وأشد تصديقنا لحديثك ، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون ، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب ، فامض لما أمرت به . فو اللّه لا أزال أحوطك وأمنعك ، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب . فقال أبو لهب : هذه واللّه السوأة ، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم ، فقال أبو طالب : واللّه لنمنعه ما بقينا « 1 » . على جبل الصفا وبعد ما تأكد النبي صلى اللّه عليه وسلم من تعهد أبي طالب بحمايته ، وهو يبلّغ عن ربه ، قام يوما على الصفا فصرخ : « يا صباحاه » فاجتمع إليه بطون قريش ، فدعاهم إلى التوحيد والإيمان برسالته وباليوم الآخر . وقد روى البخاري طرفا من هذه القصة عن ابن عباس . قال : لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النبي صلى اللّه عليه وسلم على الصفا ، فجعل ينادي : « يا بني فهر ! . يا بني عدي ! لبطون قريش » ، حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ؟ فجاء أبو لهب وقريش . فقال : « أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقي ؟ » قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقا ، قال : « فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم . ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ « 2 » . وروى مسلم طرفا آخر من هذه القصة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . قال : لما نزلت هذه الآية : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعم وخص . فقال : « يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني كعب ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة بنت محمد ! أنقذي نفسك من النار ، فإني واللّه لا أملك لكم من اللّه شيئا ، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها « 3 » » .

--> ( 1 ) ابن الأثير ، فقه السيرة ص 77 ، 78 . ( 2 ) صحيح البخاري 2 / 702 ، 743 ، والرواية مخرجة في صحيح مسلم أيضا 1 / 114 . ( 3 ) صحيح مسلم 1 / 114 ، صحيح البخاري 1 / 385 ، 2 / 702 ، مشكاة المصابيح 2 / 460 .