صفي الرحمان مباركفوري

52

الرحيق المختوم

بناء الكعبة وقضية التحكيم ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى اللّه عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة ، وذلك لأن الكعبة كانت رضما فوق القامة ، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل ، ولم يكن لها سقف ، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها ، وكانت مع ذلك قد تعرضت - باعتبارها أثرا قديما - للعوادي التي أوهت بنيانها ، وصدعت جدرانها ، وقبل بعثته صلى اللّه عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم ، وانحدر إلى البيت الحرام ، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار ، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصا على مكانتها ، واتفقوا على أن لا يدخلوا في بنائها إلا طيبا ، فلا يدخلوا فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس ، وكانوا يهابون هدمها ، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي ، وتبعه الناس لما رأوا أنه لم يصبه شيء ، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم ، ثم أرادوا الأخذ في البناء ، فجزءوا الكعبة ، وخصصوا لكل قبيلة جزءا منها ، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة ، وأخذوا يبنونها ، وتولى البناء بناء رومي اسمه باقوم ، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه ، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسا ، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم ، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه ، وشاء اللّه أن يكون ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلما رأوه هتفوا : هذا الأمين ، رضيناه ، هذا محمد . فلما انتهى إليهم ، وأخبروه الخبر طلب رداء ، فوضع الحجر وسطه ، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعا بأطراف الرداء ، وأمرهم أن يرفعوه ، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده ، فوضعه في مكانه ، وهذا حل حصيف رضي به القوم . وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع ، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم ، ورفعوا بابها من الأرض ، لئلا يدخلها إلا من أرادوا ، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعا سقفوه على ستة أعمدة . وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبا يبلغ ارتفاعه 15 مترا ، وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود والمقابل له 10 ، 10 م ، والحجر موضوع على ارتفاع 50 ، 1 م من أرضية المطاف ، والضلع الذي فيه الباب والمقابل له 12 م وبابها على ارتفاع مترين من الأرض ، ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها ، متوسط ارتفاعها