صفي الرحمان مباركفوري
53
الرحيق المختوم
25 ، 0 م ومتوسط عرضها 30 ، 0 م وتسمى بالشاذروان ، وهي من أصل البيت لكن قريشا تركتها « 1 » . السيرة الإجمالية قبل النبوة إن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات ، وكان طرازا رفيعا من الفكر الصائب ، والنظر السديد ، ونال حظا وافرا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف ، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناء الحق ، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشؤون الناس وأحوال الجماعات ، فعاف ما سواها من خرافة ، ونأى عنها ، ثم عايش الناس على بصيرة من أمره وأمرهم ، فما وجد حسنا شارك فيه ، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة فكان لا يشرب الخمر ، ولا يأكل مما ذبح على النصب ، ولا يحضر للأوثان عيدا ، ولا احتفالا ، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات الباطلة ، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها ، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى « 2 » . ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ ، فعند ما تتحرك نوازع النفس لاستطاع بعض متع الدنيا ، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها ، روى ابن الأثير : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين ، كل ذلك يحول اللّه بيني وبينه ، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته ، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب ! فقال : أفعل ، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : عرس فلان بفلانة ، فجلست أسمع . فضرب اللّه على أذني فنمت ، فما أيقظني إلا حر الشمس . فعدت إلى صاحبي فسألني ، فأخبرته ، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك ، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة . . . ثم ما هممت بسوء » « 3 » .
--> ( 1 ) انظر في تفصيل بناء الكعبة ابن هشام 12 / 192 إلى 197 ، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص 62 ، 63 ، وصحيح البخاري باب فضل مكة وبنيانها 1 / 215 ، ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 64 ، 65 . ( 2 ) يدل عليه كلامه مع بحيرا . انظر ابن هشام 1 / 128 . ( 3 ) اختلفوا في صحة هذا الحديث فصححه الحاكم والذهبي وضعفه ابن كثير في البداية والنهاية 2 / 287 .