صفي الرحمان مباركفوري

47

الرحيق المختوم

أخذته رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ، فشرب حتى روي ، وشرب معه أخوه حتى روي ، ثم نام ، وما كنا ننام معه قبل ذلك ، وقام زوجي إلى شارفنا تلك ، فإذا هي حافل ، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا ، فبتنا بخير ليلة ، قالت : يقول صاحبي حين أصبحنا : تعلمي واللّه يا حليمة ! لقد أخذت نسمة مباركة ، قالت : فقلت : واللّه إني لأرجو ذلك ، قالت : ثم خرجنا وركبت أنا أتاني ، وحملته عليها معي ، فو اللّه لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم ، حتى إن صواحبي ليقلن لي : يا ابنة أبي ذؤيب ، ويحك ! أربعي علينا ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن : بلى واللّه ! إنها لهي هي ، فيقلن : واللّه إن لها شأنا ، قالت : ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض اللّه أجدب منها ، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا ، فنحلب ونشرب ، وما يحلب إنسان قطرة لبن ، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم : ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن ، وتروح غنمي شباعا لبنا ، فلم نزل نتعرف من اللّه الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا ، قالت : فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا ، لما كنا نرى من بركته ، فكلمنا أمه ، وقلت لها : لو تركت ابني عندي حتى يغلظ ، فإني أخشى عليه وباء مكة ، قالت : فلم نزل بها حتى ردته معنا « 1 » . وهكذا بقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بني سعد ، حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة « 2 » من مولده وقع حادث شق صدره ، روى مسلم عن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتاه جبريل ، وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه ، ثم أعاده إلى مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئره - فقالوا : إن محمدا قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون « 3 » .

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 162 ، 163 ، 164 . ( 2 ) هذا ما ذهب إليه عامة أهل السير ، ويقتضي سياق رواية ابن إسحاق أنه وقع في السنة الثالثة ، انظر ابن هشام 1 / 164 ، 165 . ( 3 ) صحيح مسلم ، باب الإسراء 1 / 92 .