صفي الرحمان مباركفوري

48

الرحيق المختوم

إلى أمه الحنون وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه ، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين « 1 » . ورأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب ، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترا ، ومعها ولدها اليتيم - محمد صلى اللّه عليه وسلم - وخادمتها أم أيمن ، وقيمها عبد المطلب ، فمكثت شهرا ، ثم قفلت : وبينما هي راجعة إذ يلاحقها المرض ، ويلح عليها في أوائل الطريق ، فماتت بالأبواء بين مكة والمدينة « 2 » . إلى جده العطوف وعاد به عبد المطلب إلى مكة ، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم ، الذي أصيب بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة ، فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده ، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة ، بل يؤثره على أولاده ، قال ابن هشام : كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني هذا فو اللّه إن له لشأنا ، ثم يجلس معه على فراشه ، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع « 3 » . ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى اللّه عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة ، ورأى قبل وفاته أنه يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه « 4 » . إلى عمه الشفيق ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه ، وضمه إلى ولده ، وقدمه عليهم ، واختصه بفضل احترام وتقدير ، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه ، ويبسط عليه حمايته ، ويصادق ويخاصم من أجله ، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها .

--> ( 1 ) تلقيح فهوم أهل الأثر ص 7 ، ابن هشام 1 / 168 . ( 2 ) ابن هشام 1 / 168 ، تلقيح فهوم أهل الأثر ص 7 ، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 63 ، فقه السيرة للغزالي ص 50 . ( 3 ) ابن هشام 1 / 168 . ( 4 ) تلقيح فهوم أهل الأثر ص 7 ، ابن هشام 1 / 169 .