صفي الرحمان مباركفوري
46
الرحيق المختوم
في بني سعد وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ، ابتعادا لهم عن أمراض الحواضر ؛ لتقوى أجسامهم ، وتشتد أعصابهم ، ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم ، فالتمس عبد المطلب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرضعاء ، واسترضع له امرأة من بني سعد ابن بكر - وهي حليمة بنت أبي ذؤيب - وزوجها الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة ، من نفس القبيلة . وإخوته صلى اللّه عليه وسلم هناك من الرضاعة عبد اللّه بن الحارث ، وأنيسة بنت الحارث ، وحذافة أو جذامة بنت الحارث ( وهي الشيماء - لقب غلب على اسمها - ) وكانت تحضن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعا في بني سعد بن بكر ، فأرضعت أمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما وهو عند أمه حليمة ، فكان حمزة رضيع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من وجهين ، من جهة ثويبة ، ومن جهة السعدية « 1 » . ورأت حليمة من بركته صلى اللّه عليه وسلم ما قصّت منه العجب ، ولنتركها تروي ذلك مفصلا : قال ابن إسحاق : كانت حليمة تحدث : أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه ، في نسوة من بني سعد بن بكر ، تلتمس الرضعاء قالت : وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا ، قالت : فخرجت على أتان لي قمراء ، معنا شارف لنا ، واللّه ما تبض بقطرة ، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا ، من بكائه من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغذيه ، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج ، فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا ، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتأباه ، إذا قيل لها إنه يتيم ، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي ، فكنا نقول : يتيم ! وما عسى أن تصنع أمه وجده ! فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي : واللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا ، واللّه لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه . قال : لا عليك أن تفعلي ، عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة . قالت : فذهبت إليه ، فأخذته ، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره ، قالت : فلما
--> ( 1 ) زاد المعاد 1 / 19 .