صفي الرحمان مباركفوري

408

الرحيق المختوم

[ 2 - صفحة تسابق الشعوب والقبائل إلى اعتناق الإسلام . ] الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا كانت غزوة فتح مكة - كما قلنا - معركة فاصلة ، قضت على الوثنية قضاء باتا ، عرفت العرب لأجلها الحق من الباطل ، وزالت عنهم الشبهات ، فتسارعوا إلى اعتناق الإسلام . قال عمرو بن سلمة : كنا بماء ممر الناس ، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم : ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ - أي النبي صلى اللّه عليه وسلم - فيقولون : يزعم أن اللّه أرسله ، أوحى إليه . أوحى اللّه كذا ، فكنت أحفظ ذاك الكلام ، فكأنما يقرأ في صدري ، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح ، فيقولون : اتركوه وقومه ، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق . فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم ، وبدر أبي قومي بإسلامهم ، فلما قدم قال : جئتكم واللّه من عند النبي صلى اللّه عليه وسلم حقا . فقال : صلوا صلاة كذا في حين كذا ، وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، لا وليؤمكم أكثركم قرآنا . الحديث « 1 » . وهذا الحديث يدل على مدى أثر فتح مكة في تطوير الظروف ، وتعزيز الإسلام ، وتعيين الموقف للعرب ، واستسلامهم للإسلام ، وتأكد ذلك أي تأكد بعد غزوة تبوك ، ولذلك نرى الوفود تقصد المدينة تترى في هذين العامين - التاسع والعاشر - ونرى الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا ، حتى إن الجيش الإسلامي الذي كان قوامه عشرة آلاف مقاتل في غزوة الفتح ، إذا هو يزخر في ثلاثين ألف مقاتل في غزوة تبوك ، قبل أن يمضي على فتح مكة عام كامل ، ثم نرى في حجة الوداع بحرا من رجال الإسلام - مائة ألف من الناس أو مائة وأربعة وأربعون ألفا منهم - يموج حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتلبية والتكبير والتسبيح والتحميد تدوي له الآفاق ، وترتج له الأرجاء . الوفود والوفود التي سردها أهل المغازي يزيد عددها على سبعين وفدا ، ولا يمكن لنا استقصاؤها ، وليس كبير فائدة في بسط تفاصيلها ، وإنما نذكر منها إجمالا ما له روعة أو

--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 615 ، 616 .