صفي الرحمان مباركفوري

398

الرحيق المختوم

لأهله إلا اللّه ورسوله - وكانت أربعة آلاف درهم ، وهو أول من جاء بصدقته ، وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء العباس بمال كثير ، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ، كلهم جاءوا بمال ، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقا من التمر ، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها ، حتى كان منهم من أنفق مدا أو مدين لم يكن يستطيع غيرها ؛ وبعثت النساء ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتم . ولم يمسك أحد يده ، ولم يبخل بماله إلا المنافقون الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ ، وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ [ التوبة : 79 ] . الجيش الإسلامي إلى تبوك وهكذا تجهز الجيش ، فاستعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري ، وقيل سباع بن عرفطة ، وخلف على أهله علي بن أبي طالب ، وأمره بالإقامة فيهم ، وغمص عليه المنافقون ، فخرج فلحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرده إلى المدينة وقال : « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي » . ثم تحرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحو الشمال يريد تبوك ، ولكن الجيش كان كبيرا - ثلاثون ألف مقاتل ، لم يخرج المسلمون في مثل هذا الجمع الكبير قبله قط - فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أن يجهزوه تجهيزا كاملا . بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمراكب ، فكان ثمانية عشر رجلا يعتقبون بعيرا واحدا ، وربما أكلوا أوراق الأشجار حتى تورمت شفاههم ، واضطروا إلى ذبح العير - مع قلتها - ليشربوا ما في كروشها من الماء ، ولذلك سمي هذا الجيش : جيش العسرة . ومر الجيش الإسلامي في طريقه إلى تبوك بالحجر - ديار ثمود الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ، أي وادي القرى - فاستقى الناس من بئرها ، فلما راحوا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تشربوا من مائها ولا تتوضئوا منه للصلاة . وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئا ، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح عليه السلام » . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال ؛ لما مر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحجر قال : « لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم ، إلا أن تكونوا باكين ، ثم قنع رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي » « 1 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري باب نزول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الحجر 2 / 637 .