صفي الرحمان مباركفوري
399
الرحيق المختوم
واشتدت في الطريق حاجة الجيش إلى الماء حتى شكوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعا اللّه ، فأرسل اللّه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس ، واحتملوا حاجاتهم من الماء . ولما قرب من تبوك قال : « إنكم ستأتون غدا إن شاء اللّه تعالى عين تبوك ، وإنكم لم تأتوها حتى يضحى النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي » . قال معاذ : فجئنا وقد سبق إليها رجلان ، والعين تبض بشيء من مائها ، فسألهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هل مسستما من مائها شيئا ؟ قالا : نعم . وقال لهما ما شاء اللّه أن يقول ، ثم غرف من العين قليلا قليلا حتى اجتمع الوشل ، ثم غسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه وجهه ويده ، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا » « 1 » . وفي الطريق أو لما بلغ تبوك - على اختلاف الروايات - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تهب عليكم الليلة ريح شديدة ، فلا يقم أحد منكم ، فمن كان له بعير فليشد عقاله » ، فهبت ريح شديدة ، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طىء « 2 » . وكان دأب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الطريق أنه كان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء جمع التقديم وجمع التأخير كليهما . الجيش الإسلامي بتبوك نزل الجيش الإسلامي بتبوك ، فعسكر هناك ، وهو مستعد للقاء العدو ، وقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهم خطيبا ، فخطب خطبة بليغة ، أتى بجوامع الكلم ، وحض على خير الدنيا والآخرة ، وحذر وأنذر ، وبشر وأبشر ، حتى رفع معنوياتهم ، وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من حيث قلة الزاد والمادة والمؤنة . وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذهم الرعب فلم يجترئوا على التقدم واللقاء ، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم ، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية ، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية . وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة خطيرة ، بما لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين . جاء يحنة بن روبة صاحب أيلة ، فصالح الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأهل أذرح ، فأعطوه الجزية ، وكتب لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتابا فهو عندهم ، وكتب
--> ( 1 ) رواه مسلم عن معاذ بن جبل 2 / 246 . ( 2 ) نفس المصدر .