صفي الرحمان مباركفوري

377

الرحيق المختوم

2 - ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه ، وهو صنم لهذيل برهاط ، وعلى ثلاثة أميال من مكة ، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن : ما تريد ؟ قال : أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أهدمه ، قال : لا تقدر على ذلك ، قال : لم ؟ قال : تمنع . قال : حتى الآن أنت على الباطل ؟ ويحك ، فهل يسمع أو يبصر ؟ ثم دنا فكسره ، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته ، فلم يجدوا فيه شيئا ، ثم قال للسادن : كيف رأيت ؟ قال : أسلمت للّه . 3 - وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى مناة ، وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم ، فلما انتهى سعد إليها قال له سادتها : ما تريد ؟ قال : هدم مناة ، قال : أنت وذاك ، فأقبل إليها سعد ، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل ، وتضرب صدرها ، فقال لها السادن : مناة دونك بعض عصاتك ، فضربها سعد فقتلها ، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره ، ولم يجدوا في خزانته شيئا . 4 - ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شعبان من نفس السنة ( 8 ه ) إلى بني جذيمة ، داعيا إلى الإسلام ، لا مقاتلا . فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم ، فانتهى إليهم ، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فجعلوا يقولون : « صبأنا صبأنا » فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم ، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيرا ، فأمر يوما أن يقتل كل رجل أسيره ، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فذكروا له ، فرفع صلى اللّه عليه وسلم يديه وقال : « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد » - مرتين - « 1 » . وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار ، وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليا فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم ، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك ، فبلغ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « مهلا يا خالد ، دع عنك أصحابي ، فو اللّه لو كان أحد ذهبا ، ثم أنفقته في سبيل اللّه ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته « 2 » » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 1 / 450 ، 2 / 622 . ( 2 ) أخذنا تفاصيل هذه الغزوة من ابن هشام 2 / 389 إلى 437 ، وصحيح البخاري 1 / كتاب الجهاد وكتاب المناسك و 2 / 612 ، إلى 615 ، 622 ، فتح الباري 8 / 3 إلى 27 ، وصحيح مسلم 1 / 437 ، 438 ، 439 ، 2 / 102 ، 103 ، 130 ، وزاد المعاد 2 / 160 إلى 168 ، ومختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 322 إلى 351 .