صفي الرحمان مباركفوري
378
الرحيق المختوم
تلك هي غزوة فتح مكة ، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى على كيان الوثنية قضاء باتا ، لم يترك لبقائها مجالا ولا مبررا في ربوع الجزيرة العربية ، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ما ذا يتمخض عنه العراك والاصطدام الذي كان دائرا بين المسلمين والوثنيين ، وكانت تلك القبائل تعرف جيدا أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق ، وكان قد تأكد لديهم هذا الاعتقاد الجازم أي تأكد قبل نصف القرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيت ، فأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول . وكان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم ، أمن الناس به وكلم بعضهم بعضا ، وناظره في الإسلام ، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه ، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام ، حتى إن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاثة آلاف إذا هو يزخر في هذه الغزوة في عشر آلاف . وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس ، وأزالت عنها آخر الستور التي كانت تحول بينها وبين الإسلام . وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسي والديني كليهما معا في طول جزيرة العرب وعرضها ، فقد انتقلت إليهم الصدارة الدينية والزعامة الدنيوية . فالطور الذي كان قد بدأ بعد هدنة الحديبية لصالح المسلمين قد تم ، وكمل بهذا الفتح المبين ، وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تماما ، وكان لهم فيه السيطرة على الموقف تماما . ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيعتنقوا الإسلام ، ويحملوا دعوته إلى العالم ، وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين .