صفي الرحمان مباركفوري
359
الرحيق المختوم
ساحة القتال - : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ جعفر فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه ، حتى فتح اللّه عليهم « 1 » . نهاية المعركة ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين كان مستغربا جدا أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أمام تيارات ذلك البحر الغطمطم من جيوش الروم ، ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه . واختلفت الروايات كثيرا فيما آل إليه أمر هذه المعركة أخيرا . ويظهر بعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد نجح في الصمود أمام جيش الرومان طول النهار ، في أول يوم من القتال ، وكان يشعر بمسيس الحاجة إلى مكيدة حربية ، تلقي الرعب في قلوب الرومان ، حتى ينجح في الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة ، فقد كان يعرف جيدا أن الإفلات من براثنهم صعب جدا لو انكشف المسلمون ، وقام الرومان بالمطاردة . [ القتال التراجعي ] فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش ، وعبأه من جديد ، فجعل مقدمته ، ساقة ، وميمنته ميسرة ، وعلى العكس ، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم ، وقالوا : جاءهم مدد ، فرعبوا ، وصار خالد - بعد أن تراءى الجيشان ، وتناوشا ساعة - يتأخر بالمسلمين قليلا قليلا ، مع حفظ نظام جيشه ، ولم يتبعهم الرومان ظنا منهم أن المسلمين يخدعونهم ، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء . وهكذا انحاز العدو إلى بلاده ، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين ، ونجح المسلمون في الانحياز سالمين ، حتى عادوا إلى المدينة « 2 » .
--> ( 1 ) نفس المصدر 2 / 611 . ( 2 ) انظر فتح الباري 7 / 513 ، 514 ، زاد المعاد 2 / 156 ، وتفصيل المعركة مأخوذ من هذين المصدرين والتي قبلهما .