صفي الرحمان مباركفوري
360
الرحيق المختوم
قتلى الفريقين واستشهد يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلا ، أما الرومان ، فلم يعرف عدد قتلاهم غير أن تفصيل المعركة يدل على كثرتهم . أثر المعركة وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر ، الذي عانوا مرارتها لأجله ، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين ، إنها ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة ، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض ، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظلف ، فكان لقاء هذا الجيش الصغير - ثلاثة آلاف مقاتل - مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير - مائتا ألف مقاتل - ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر ، كان كل ذلك من عجائب الدهر ، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته ، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند اللّه ، وأن صاحبهم رسول اللّه حقا ، ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام ، فأسلمت بنو سليم وأشجع وغطفان وذبيان وفزارة وغيرها . وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان ، فكانت توطئة وتمهيدا لفتوح البلدان الرومانية ، واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية . سرية ذات السلاسل ولما علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بموقف القبائل العربية التي تقطن مشارف الشام في معركة مؤتة ، من اجتماعهم إلى الرومان ضد المسلمين ، شعر بمسيس الحاجة إلى القيام بحكمة بالغة توقع الفرقة بينها وبين الرومان ، وتكون سببا للائتلاف بينها وبين المسلمين ، حتى لا تتحشد مثل هذه الجموع الكبيرة مرة أخرى . واختار لتنفيذ هذه الخطة عمرو بن العاص ، لأن أم أبيه كانت امرأة من بلي ، فبعثه إليهم في جمادى الآخرة سنة 8 ه . على إثر معركة مؤتة ليستألفهم ، ويقال : بل نقلت الاستخبارات أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا ، يريدون أن يدنوا من أطراف المدينة ، فبعثه إليهم ، ويمكن أن يكون السببان اجتمعا معا .