صفي الرحمان مباركفوري

330

الرحيق المختوم

ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا ، قلت : إنه إن أسلم ملكه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قومه . فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم ، قال : إن هذا لخلق حسن . وما الصدقة ؟ فأخبرته بما فرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل . قال : يا عمرو ، وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه ؟ فقلت : نعم ، فقال : واللّه ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون لهذا . قال : فمكثت ببابه أياما ، وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري ، ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه ، فأخذ أعوانه بضبعي ، فقال : دعوه ، فأرسلت ، فذهبت لأجلس ، فأبوا أن يدعوني أجلس ، فنظرت إليه فقال : تكلم بحاجتك ، فدفعت إليه الكتاب مختوما ، ففض خاتمه ، وقرأ حتى انتهى إلى آخره ، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته ، إلا أني رأيت أخاه أرق منه ، قال : ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت ؟ فقلت : تبعوه إما راغب في الدين ، وإما مقهور بالسيف . قال : ومن معه ؟ قلت : الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره ، وعرفوا بعقولهم مع هدى اللّه إياهم أنهم كانوا في ضلال ، فلما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الخرجة ، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته توطئك الخيل وتبيد خضراءك ، فأسلم تسلم ، ويستعملك على قومك ، ولا تدخل عليك الخيل والرجال قال : دعني يومي هذا ، وارجع إلى غدا . فرجعت إلى أخيه فقال : يا عمرو ، إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه . حتى إذا كان الغد أتيت إليه ، فأبى أن يأذن لي ، فانصرفت إلى أخيه ، فأخبرته أني لم أصل إليه ، فأوصلني إليه ، فقال : إني فكرت فيما دعوتني إليه ، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي ، وهو لا تبلغ خيله هاهنا ، وإن بلغت خيله لقت قتالا ليس كقتال من لاقى . قلت : أنا خارج غدا ، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه ، فقال : ما نحن فيما ظهر عليه ، وكل من أرسل إليه قد أجابه ، فأصبح فأرسل إلي ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا ، وصدقا النبي صلى اللّه عليه وسلم وخليا بيني وبين الصدقة ، وبين الحكم فيما بينهم ، وكانا لي عونا على من خالفني « 1 » . وسياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيرا عن كتب بقية الملوك ، والأغلب أنه كان بعد الفتح . وبهذه الكتب كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض . فمنهم من آمن به ومنهم من كفر . ولكن شغل فكره هؤلاء الكافرين ، وعرف لديهم باسمه ودينه .

--> ( 1 ) زاد المعاد 3 / 62 ، 63 .