صفي الرحمان مباركفوري
33
الرحيق المختوم
وقد اعتنق النصرانية العرب الغساسنة وقبائل تغلب وطئ وغيرهما لمجاورة الرومان ، بل قد اعتنقها بعض ملوك الحيرة . أما المجوسية فكان معظمها في العرب الذين كانوا بجوار الفرس ، فكانت في عراق العرب وفي البحرين - الأحساء - وهجر وما جاورها من منطقة سواحل الخليج العربي ، ودان لها رجال من اليمن في زمن الاحتلال الفارسي . أما الصابئية فقد دلت الحفريات والتنقيبات في بلاد العراق وغيرها أنها كانت ديانة قوم إبراهيم الكلدانيين ، وقد دان بها كثير من أهل الشام ، وأهل اليمن في غابر الزمان ، وبعد تتابع الديانات الجديدة من اليهودية والنصرانية تضعضع بنيان الصابئية وخمد نشاطها ، ولكن لم يزل في الناس بقايا من أهل هذه الديانة مختلطين مع المجوس ، أو مجاورين لهم ، في عراق العرب ، وعلى شواطئ الخليج العربي « 1 » . الحالة الدينية كانت هذه الديانات هي ديانات العرب حين جاء الإسلام ، وقد أصاب هذه الديانات الانحلال والبوار ، فالمشركون الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم كانوا بعيدين عن أوامر ونواهي شريعة إبراهيم ، مهملين ما أتت به من مكارم الأخلاق . فكثرت معاصيهم ، ونشأ فيهم على توالي الزمان ما ينشأ في الوثنيين من عادات وتقاليد تجري مجرى الخرافات الدينية ، وأثرت في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية تأثيرا بالغا جدا . أما اليهود فقد انقلبت رياء وتحكما ، وصار رؤساؤها أربابا من دون اللّه ، يتحكمون في الناس ويحاسبونهم حتى على خطرات النفس وهمسات الشفاه ، وجعلوا همهم الحظوة بالمال والرئاسة ، وإن ضاع الدين وانتشر الإلحاد والكفر والتهاون بالتعاليم التي حض اللّه عليها وأمر كل فرد بتقديسها . وأما النصرانية فقد عادت وثنية عسرة الفهم ، وأوجدت خلطا عجيبا بين اللّه والإنسان ، ولم يكن لها في نفوس العرب المتدينين بهذا الدين تأثير حقيقي ، لبعد تعاليمها عن طراز المعيشة التي ألفوها ، ولم يكونوا يستطيعون الابتعاد عنها . وأما سائر أديان العرب فكانت أحوال أهلها كأحوال المشركين ، فقد تشابهت قلوبهم ، وتواردت عقائدهم ، وتوافقت تقاليدهم وعوائدهم .
--> ( 1 ) تاريخ أرض القرآن 2 / 193 إلى 208 .