صفي الرحمان مباركفوري

34

الرحيق المختوم

صور من المجتمع العربي الجاهلي بعد البحث عن سياسة الجزيرة وأديانها ؛ بقي لنا أن نتكلم حول الأحوال الاجتماعية والاقتصادية ، والخلقية ، وفيما يلي بيانها بإيجاز : الحالة الاجتماعية كانت في العرب أوساط متنوعة ، تختلف أحوال بعضها عن بعض ، فكانت علاقة الرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم ، وكان لها من حرية الإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر ، وكانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف ، وتراق الدماء ، وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في أكثر أوقاته إلا المرأة ، وربما كانت المرأة إذا شاءت جمعت القبائل للسلام ، وإن شاءت أشعلت بينهم نار الحرب والقتال ، ومع هذا كله فقد كان الرجل يعتبر بلا نزاع رئيس الأسرة ، وصاحب الكلمة فيها ، وكان ارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها ولم يكن من حقها أن تفتات عليهم . بينما هذه حال الأشراف ، كان هناك في الأوساط الأخرى أنواع من الاختلاط بين الرجل والمرأة ، لا نستطيع أن نعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة ، روى أبو داود عن عائشة رضي اللّه عنها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : فكان منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها ، ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع ، ونكاح آخر : يجتمع الرهط دون العشرة . فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها . فإذا حملت ، ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ، فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت ، وهو ابنك يا فلان ، فتسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به ولدها ونكاح رابع :