صفي الرحمان مباركفوري

32

الرحيق المختوم

اليهود رحلت إلى الحجاز ، واستقرت في يثرب وخيبر وتيماء ، وأنشأت فيها القرى والآطام والقلاع ، وانتشرت الديانة اليهودية بين قسم من العرب عن طريق هؤلاء المهاجرين ، وأصبح لها شأن يذكر في الحوادث السياسية التي سبقت ظهور الإسلام ، والتي حدثت في صدره . وحينما جاء الإسلام كانت القبائل اليهودية المشهورة هي : خيبر والنضير والمصطلق وقريظة وقينقاع ، وذكر السمهودي في وفاء الوفا ( ص 116 ) أن عدد القبائل اليهودية يزيد على عشرين « 1 » . ودخلت اليهودية في اليمن من قبل تبان أسعد أبي كرب ، فإنه ذهب مقاتلا إلى يثرب واعتنق هناك اليهودية وجاء بحبرين من بني قريظة إلى اليمن ، فأخذت اليهودية إلى التوسع والانتشار فيها ، ولما ولي اليمن بعده ابنه يوسف ذو نواس هجم على المسيحيين من أهل نجران ودعاهم إلى اعتناق اليهودية ، فلما أبوا خدّ لهم الأخدود ، وأحرقهم بالنار ، ولم يفرق بين الرجل والمرأة والأطفال الصغار والشيوخ الكبار ، ويقال إن عدد المقتولين ما بين عشرين ألفا إلى أربعين ألفا ، وقع ذلك في أكتوبر سنة 523 م « 2 » . وقد أورد القرآن جزءا من هذه القصة في سورة البروج . أما الديانة النصرانية فقد جاءت إلى بلاد العرب عن طريق احتلال الحبشة والرومان ، وكان أول احتلال الحبشة لليمن سنة 340 م ، واستمر إلى سنة 378 م « 3 » ، وفي ذلك الزمان دخل التبشير المسيحي في ربوع اليمن ، وبالقرب من هذا الزمان دخل رجل زاهد مستجاب الدعوات وصاحب كرامات - وكان يسمى فيميون - إلى نجران ، ودعاهم إلى الدين المسيحي ، ورأى أهل نجران من أمارات صدقه وصدق دينه ما لبوا لأجله المسيحية واعتنقوها « 4 » . ولما احتلت الأحباش اليمن كرد فعل لما أتاه ذو نواس ، وتمكن أبرهة من حكومتها ؛ أخذ ينشر الديانة المسيحية بأوفر نشاط ، وأوسع نطاق ، حتى بلغ من نشاطه أنه بنى كعبة باليمن ، وأراد أن يصرف حج العرب إليها ، ويهدم بيت اللّه الذي بمكة ، فأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى .

--> ( 1 ) قلب جزيرة العرب ، ص 151 . ( 2 ) تفهيم القرآن 6 / 297 ، 298 ، وابن هشام 1 / 20 ، 21 ، 22 ، 27 ، 31 ، 35 ، 36 . ( 3 ) تفهيم القرآن 6 / 297 . ( 4 ) انظر في ذلك مفصلا ابن هشام 1 / 31 ، 32 ، 33 ، 34 .