صفي الرحمان مباركفوري

316

الرحيق المختوم

أما البند الأول ، فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام ، فهو أيضا فشل لقريش ، وليس فيه ما يشفي قريشا سوى أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط . أعطت قريش هذه الخلال الثلاث للمسلمين ، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط ، وهي ما في البند الرابع ، ولكن تلك الخلة تافهة جدا ، ليس فيها شيء يضر بالمسلمين ، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلما لا يفر عن اللّه ورسوله ، وعن مدينة الإسلام ، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهرا أو باطنا ، فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين ، وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائه فيه ، وهذا الذي أشار إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه « 1 » وأما من أسلم من أهل مكة - فهو وإن لم يبق للجوئه إلى المدينة سبيل - لكن أرض اللّه واسعة ، ألم تكن الحبشة واسعة للمسلمين حينما لم يكن يعرف أهل المدينة عن الإسلام شيئا ؟ وهذا الذي أشار إليه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « ومن جاءنا منهم سيجعل اللّه له فرجا ومخرجا » « 2 » . والأخذ بمثل هذا الاحتفاظ ، وإن كان مظهر الاعتزاز لقريش ، لكنه في الحقيقة ينبئ عن شدة انزعاج قريش وهلعهم وخورهم ، وعن شدة خوفهم على كيانهم الوثني ، وكأنهم كانوا قد أحسوا أن كيانهم اليوم على شفا جرف هار ، لا بد له من الأخذ بمثل هذا الاحتفاظ . وما سمح به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من أنه لا يسترد من فرّ إلى قريش من المسلمين ، فليس هذا إلا دليلا على أنه يعتمد على تثبيت كيانه وقوته كمال الاعتماد ، ولا يخاف عليه من مثل هذا الشرط . حزن المسلمين ومناقشة عمر مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هذه هي حقيقة بنود هذه الهدنة ، لكن هناك ظاهرتان عمت لأجلهما المسلمين كآبة وحزن شديد ، الأولى : أنه كان قد أخبرهم أن سنأتي البيت فنطوف به ، فماله يرجع ولم يطف له ؟ الثانية : أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى الحق ، واللّه وعد إظهار دينه ، فماله قبل ضغط قريش ، وأعطى الدنية في الصلح ؟ كانت هاتان الظاهرتان مثار الريب والشكوك والوساوس والظنون . وصارت مشاعر المسلمين لأجلهما جريحة ، بحيث غلب الهم والحزن على التفكير في عواقب بنود الصلح . ولعل أعظمهم حزنا كان عمر بن الخطاب ، فقد جاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وقال : يا رسول اللّه ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى . قال : أليس قتلان

--> ( 1 ) صحيح مسلم باب صلح الحديبية 2 / 105 . ( 2 ) نفس المصدر .