صفي الرحمان مباركفوري
311
الرحيق المختوم
أبو بكر ، قال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك . وجعل يكلم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف ، وقال : أخر يدك عن لحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه وقال : من ذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة ، فقال : أي غدر ، أو لست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم ، وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء ( وكان المغيرة ابن أخي عروة ) . ثم إن عروة جعل يمرق أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلاقتهم به ، فرجع إلى أصحابه ، فقال : أي قوم ، واللّه لقد وفدت على الملوك ، على قيصر وكسرى والنجاشي ، واللّه ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، واللّه إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فذلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . هو الذي كف أيديهم عنكم ولما رأى شباب قريش الطائشون ، والطامحون إلى حرب ، رغبة زعمائهم في الصلح ، فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح ، فقرروا أن يخرجوا ليلا ويتسللوا إلى معسكر المسلمين ، ويحدثوا أحداثا تشعل نار الحرب ، وفعلا قد قاموا بتنفيذ هذا القرار ، فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلا فهبطوا من جبل التّنعيم ، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين ، غير أن محمد بن سلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعا . ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وعفا عنهم ، وفي ذلك أنزل اللّه وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [ الفتح : 24 ] . عثمان بن عفان سفيرا إلى قريش وحينئذ أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبعث سفيرا يؤكد لدى قريش موقفه وهدفه من هذا السفر ، فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم ، فاعتذر قائلا : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت ، فأرسل عثمان بن عفان ، فإن عشيرته بها ، وإنه مبلغ ما أردت ، فدعاه ، وأرسله إلى قريش ، وقال : أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عمارا ،