صفي الرحمان مباركفوري

301

الرحيق المختوم

سبب غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي ، وكثرة السلاح والجيوش والعدد ، وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي ، وكل من يمت بصلة إلى هذا الدين ، وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيض إنما هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الذي هو المثل الأعلى - إلى حد الإعجاز - لهذه القيم . كما عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين ، أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن بطريق استخدام السلاح ، فقرروا أن يشنوا حربا دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد ، وأن يجعلوا شخصية الرسول أول هدف لهذه الدعاية . ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين ، ولكونهم سكان المدينة ، كان يمكن له الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين . تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون ، وعلى رأسهم ابن أبيّ . وقد ظهرت خطتهم هذه جلية بعد غزوة الأحزاب ، حينما تزوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش ، بعد أن طلقها زيد بن حارثة ، كان من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبني مثل الابن الصلبي ، فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبني على الرجل الذي تبناه ، فلما تزوج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بزينب وجد المنافقون ثلمتين - حسب زعمهم - لإثارة المشاغب ضد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : الأولى : أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة ، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة ، فكيف صح له هذا الزواج ؟ . الثانية : أن زينب كانت زوجة ابنه - متبناه - فالزواج بها من أكبر الكبائر ، حسب تقاليد العرب - وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل ، واختلقوا قصصا وأساطير ، قالوا : إن محمدا رآها بغتة ، فتأثر بحسنها فشغفه حبا ، وعلقت بقلبه ، وعلم بذلك ابنه زيد فخلى سبيلها لمحمد ، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان ، وقد أثرت تلك الدعاية أثرا قويا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات ، فيها شفاء لما في الصدور ، وينبئ عن سعة نشر هذه الدعاية أن اللّه استفتح سورة الأحزاب بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [ الأحزاب : 1 ] . وهذه إشارات عابرة ، وصورة مصغرة مما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المصطلق ، وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف ، وكان عامة المسلمين يحترزون عن