صفي الرحمان مباركفوري

30

الرحيق المختوم

الجن يلقي عليه الأخبار ، ومنهم من يدعي إدراك الغيب بفهم أعطيه ، ومنهم من يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ، وهذا القسم يسمى عرافا ، كمن يدعي معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما . والمنجّم : من ينظر في النجوم أي الكواكب ، ويحسب سيرها ومواقيتها ، ليعلم بها أحوال العالم وحوادثه التي تقع في المستقبل « 1 » والتصديق بأخبار المنجمين هو في الحقيقة إيمان بالنجوم ، وكان من إيمانهم بالنجوم الإيمان بالأنواء ، فكانوا يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا « 2 » . وكانت فيهم الطّيرة ( بكسر ففتح ) وهي التشاؤم بالشيء ، وأصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه ، فإن أخذ ذات اليمين مضوا إلى ما قصدوا ، وعدوه حسنا ، وإن أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك وتشاءموا ، وكانوا يتشاءمون كذلك إن عرض الطير أو الحيوان في طريقهم . ويقرب من هذا تعليقهم كعب الأرنب ، والتشاؤم ببعض الأيام والشهور والحيوانات والدور والنساء ، والاعتقاد بالعدوى والهامة ، فكانوا يعتقدون أن المقتول لا يسكن جأشه ما لم يؤخذ بثأره ، وتصير روحه هامة أي بومة تطير في الفلوات وتقول : صدى صدى أو اسقوني اسقوني ، فإذا أخذ بثأره سكن واستراح « 3 » . كان أهل الجاهلية على ذلك وفيهم بقايا من دين إبراهيم ولم يتركوه كله ، مثل تعظيم البيت والطواف به ، والحج ، والعمرة ، والوقوف بعرفة ، والمزدلفة وإهداء البدن ، نعم ابتدعوا في ذلك بدعا . منها أن قريشا كانوا يقولون : نحن بنو إبراهيم وأهل الحرم ، وولاة البيت وقاطنو مكة ، وليس لأحد من العرب مثل حقنا ومنزلتنا - وكانوا يسمون أنفسهم الحمس - فلا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم إلى الحل ، فكانوا لا يقفون بعرفة ، ولا يفيضون منها وإنما كانوا يفيضون من المزدلفة وفيهم أنزل : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [ البقرة : 199 ] « 4 » .

--> ( 1 ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 2 / 2 ، 3 . ( 2 ) أنظر صحيح مسلم مع شرحه للنووي ، باب بيان كفر من قال : مطرنا بالنوء ، من كتاب الإيمان 1 / 59 . ( 3 ) انظر صحيح البخاري 2 / 851 ، 857 مع حواشيه للشيخ أحمد علي السهارنفوري . ( 4 ) ابن هشام 1 / 199 ، صحيح البخاري 1 / 226 .