صفي الرحمان مباركفوري

263

الرحيق المختوم

وتكون لها العاقبة ، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما دخل في المؤمنين من ليس منهم ، ولم يتميز الصادق من غيره ، ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة ، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب ، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيا عن المسلمين ، فلما جرت هذه القصة ، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحا ، وعرف المسلمون أن لهم عدوا في دورهم ، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم . ومنها : أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس ، وكسرا لشماختها ، فلما ابتلى المؤمنون صبروا ، وجزع المنافقون . ومنها أن اللّه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم ، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها . ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم . ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه ، فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين ، ومحق بذلك الكافرين « 1 » .

--> ( 1 ) فتح الباري 7 / 347 .