صفي الرحمان مباركفوري

255

الرحيق المختوم

وعلى عكس من هذا كان في القتلى رجل من يهود بني ثعلبة ، قال لقومه : يا معشر يهود واللّه لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق . قالوا : إن اليوم يوم السبت . قال : لا سبت لكم . فأخذ سيفه وعدته ، وقال : إن أصبت فمالي لمحمد ، يصنع فيه ما شاء ، ثم غدا فقاتل حتى قتل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مخيريق خير يهود « 1 » . جمع الشهداء ودفنهم وأشرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الشهداء ، فقال : « أنا شهيد على هؤلاء ، إنه ما من جريح يجرح في اللّه إلا واللّه يبعثه يوم القيامة ، يدمي جرحه اللون لون الدم ، والريح ريح المسك » « 2 » . وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلاهم إلى المدينة ، فأمر أن يردوهم فيدفنوهم في مضاجعهم ، وأن لا يغسلوا ، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم بعد نزع الحديد والجلود ، وكان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد ، ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد ، ويقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد ، وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . ودفن عبد اللّه بن عمرو بن حرام ، وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة « 3 » . وفقدوا نعش حنظلة ، فتفقدوه ، فوجدوه في ناحية فوق الأرض يقطر منه الماء ، فأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصحابه أن الملائكة تغسله ، ثم قال : « سلوا أهله ما شأنه ؟ » فسألوا امرأته ، فأخبرتهم الخبر . ومن هنا سمي حنظلة : غسيل الملائكة « 4 » . ولما رأى ما بحمزة - عمه وأخيه من الرضاعة - اشتد حزنه ، وجاءت عمته صفية تريد أن تنظر أخاها حمزة ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ابنها الزبير أن يصرفها ، لا ترى ما بأخيها ، فقالت : ولم ؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي ، وذلك في اللّه ، فما أرضانا بما كان من ذلك ، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء اللّه . فأتته ، فنظرت إليه ، فصلت عليه - دعت له - واسترجعت واستغفرت له . ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدفنه مع عبد اللّه بن جحش - وكان ابن أخته ، وأخاه من الرضاعة . قال ابن مسعود : ما رأينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باكيا قط أشد من بكائه على حمزة بن

--> ( 1 ) ابن هشام 2 / 88 ، 89 . ( 2 ) نفس المصدر 2 / 98 . ( 3 ) زاد المعاد 2 / 98 ، وصحيح البخاري 2 / 584 . ( 4 ) زاد المعاد 2 / 94 .