صفي الرحمان مباركفوري

254

الرحيق المختوم

كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة ، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ، ثم لأناجزنهم . قال علي : فخرجت في آثارهم أنظر ما ذا يصنعون ، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، ووجهوا إلى مكة « 1 » . تفقد القتلى والجرحى وفرغ الناس لتفقد القتلى والجرحى بعد منصرف قريش . قال زيد بن ثابت : بعثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد أطلب سعد بن الربيع ، فقال لي : إن رأيته فأقرئه مني السلام ، وقل له : يقول لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كيف تجدك ؟ قال : فجعلت أطوف بين القتلى ، فأتيته وهو بآخر رمق ، وفيه سبعون ضربة : ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ، فقلت : يا سعد ، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : أخبرني كيف تجدك ؟ فقال : وعلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السلام ، قل له : يا رسول اللّه أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الأنصار : لا عذر لكم عند اللّه إن خلص إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفيكم عين تطرف ، وفاضت نفسه من وقته « 2 » . ووجدوا في الجرحى الأصيرم - عمرو بن ثابت - وبه رمق يسير ، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه ، فقالوا : إن هذا الأصيرم ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر ، ثم سألوه : ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت باللّه ورسوله ، ثم قاتلت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : هو من أهل الجنة . قال أبو هريرة : ولم يصل للّه صلاة قط « 3 » . ووجدوا في الجرحى قزمان - وكان قد قاتل قتال الأبطال ، قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين - وجدوه قد أثبتته الجراحة ، فاحتملوه إلى دار بني ظفر ، وبشره المسلمون فقال : واللّه إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت . فلما اشتد به الجراح نحر نفسه . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إذا ذكر له ، إنه من أهل النار « 4 » - وهذا هو مصير المقاتلين في سبيل الوطنية أو في أي سبيل سوى إعلاء كلمة اللّه ، وإن قاتلوا تحت لواء الإسلام ، بل وفي جيش الرسول والصحابة .

--> ( 1 ) ابن هشام 2 / 94 ، وفي فتح الباري أن الذي خرج في آثار المشركين هو سعد بن أبي وقاص ( 7 / 347 ) . ( 2 ) زاد المعاد 2 / 96 . ( 3 ) نفس المصدر 2 / 94 ، وابن هشام 2 / 90 . ( 4 ) نفس المصدر الأول 2 / 97 ، 98 ، وابن هشام 2 / 88 .