صفي الرحمان مباركفوري
249
الرحيق المختوم
مضاعفة هجمات المشركين ؛ لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم ، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين . الرسول صلى اللّه عليه وسلم يواصل المعركة وينقذ الموقف ولما قتل مصعب أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب ، فقاتل قتالا شديدا ، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة يقاتلون ويدافعون . وحينئذ استطاع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق ، فأقبل إليهم ، فعرفه كعب بن مالك - وكان أول من عرفه - فنادى بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أبشروا ، هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأشار إليه أن أصمت وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون ، إلا أن هذا الصوت بلغ إلى آذان المسلمين ، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله حوالي ثلاثين رجلا من الصحابة . وبعد هذا التجمع أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل ، وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين ، واشتد المشركون في هجومهم ، لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام . تقدم عثمان بن عبد اللّه بن المغيرة - أحد فرسان المشركين - إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول : لا نجوت إن نجا . وقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمواجهته . إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر ، فنازله الحارث بن الصمة ، فضرب على رجله فأقعده ، ثم ذفف عليه ، وأخذ سلاحه ، والتحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وعطف عبد اللّه بن جابر - فارس آخر من فرسان مكة - على الحارث بن الصمة ، فضرب بالسيف على عاتقه ، فجرحه حتى حمله المسلمون ، ولكن انقض أبو دجانة - البطل المغامر ذو العصابة الحمراء - على عبد اللّه بن جابر ، فضربه بالسيف ضربة أطارت رأسه . وأثناء هذا القتال المرير ، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من اللّه ، كما تحدث عنه القرآن . قال أبو طلحة : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد ، حتى سقط سيفي من يدي مرارا ، يسقط وآخذه ، ويسقط وآخذه « 1 » . وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة - في انسحاب منظم - إلى شعب الجبل وشق
--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 582 .