صفي الرحمان مباركفوري

240

الرحيق المختوم

بعضا ، حتى اجتمعوا على المسلمين ، وثبتوا للقتال ، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف ، ووقعوا بين شقي الرحى . موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حينئذ في مفرزة صغيرة - تسعة نفر من أصحابه « 1 » - في مؤخرة المسلمين « 2 » ، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين ؛ إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة ، فكان أمامه طريقان ، إما أن ينجو - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون ، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور ، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله ، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد . وهناك تجلت عبقرية الرسول صلى اللّه عليه وسلم وشجاعته المنقطعة النظير ، فقد رفع صوته ينادي أصحابه : « عباد اللّه » ، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون ، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرا بنفسه في هذا الظرف الدقيق . وفعلا فقد علم به المشركون فخلصوا إليه ، قبل أن يصل إليه المسلمون . تبدد المسلمين في الموقف أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم ، فلم تكن تهمها إلا أنفسها ، فقد أخذت طريق الفرار ، وتركت ساحة القتال ، وهي لا تدري ما ذا وراءها ؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها ، وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل ، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين ، والتبس العسكران ، فلم يتميزوا ، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض . روى البخاري عن عائشة قالت : لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة ، فصاح إبليس : أي عباد اللّه أخراكم - أي احترزوا من ورائكم - فرجعت أولاهم ، فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة ، فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : أي عباد اللّه أبي أبي . قالت : فو اللّه ما احتجزوا عنه حتى قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر اللّه لكم ، قال عروة : فو اللّه ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق باللّه « 3 » .

--> ( 1 ) في صحيح مسلم ( 2 / 107 ) أنه صلى اللّه عليه وسلم أفرد يوم أحد فدى سبعة من الأنصار ورجلين من قريش . ( 2 ) يدل عليه قوله تعالى : وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ . ( 3 / 153 ) . ( 3 ) صحيح البخاري 1 / 539 ، 2 / 581 ، وفتح الباري 7 / 351 ، 362 ، 363 وذكر غير البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أراد أن يديه . فقال حذيفة : تصدقت بديته على المسلمين ، فزاد ذلك حذيفة خيرا عند النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . انظر مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 246 .