صفي الرحمان مباركفوري

241

الرحيق المختوم

وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد ، وعمتها الفوضى ، وتاه منها الكثيرون ، لا يدرون أين يتوجهون ، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحا يصيح : إن محمدا قد قتل . فطارت بقية صوابهم ، وانهارت الروح المعنوية ، أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها ، فتوقف من توقف منهم عن القتال ، وألقى بأسلحته مستكينا ، وفكر آخرون في الاتصال بعبد اللّه بن أبيّ - رأس المنافقين - ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان . ومر بهؤلاء أنس بن النضر ، وقد ألقوا بأيديهم فقال : ما تنتظرون ؟ فقالوا : قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه ، ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المسلمين ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ ، فقال : أين يا أبا عمر ؟ فقال أنس : واها لريح الجنة يا سعد ، إني أجده دون أحد ، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل ، فما عرف حتى عرفته أخته - بعد نهاية المعركة - ببنانه ، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم « 1 » . ونادى ثابت بن الدحداح قومه ، فقال : يا معشر الأنصار ، إن كان محمد قد قتل ، فإن اللّه حي لا يموت ، قاتلوا على دينكم ، فإن اللّه مظفركم وناصركم . فنهض إليه نفر من الأنصار ، فحمل بهم على كتيبة فرسان خالد ، فما زال يقاتلهم ، حتى قتله خالد بالرمح ، وقتل أصحابه « 2 » . ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار ، وهو يتشحط في دمه ، فقال : يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم « 3 » . وبمثل هذا الاستبسال والتشجيع عادت إلى جنود المسلمين روحهم المعنوية ، ورجع إليهم رشدهم وصوابهم ، فعدلوا عن فكرة الاستسلام أو الاتصال بابن أبيّ ، وأخذوا سلاحهم ، يهاجمون تيارات المشركين ، وهم يحاولون شق الطريق إلى مقر القيادة ، وقد بلغهم أن خبر مقتل النبي صلى اللّه عليه وسلم كذب مختلق ، فزادهم ذلك قوة على قوتهم ، فنجحوا في الإفلات عن التطويق ، وفي التجمع حول مركز منيع بعد أن باشروا القتال المرير ، وجالدوا بضراوة بالغة .

--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 93 ، 96 صحيح البخاري 2 / 579 . ( 2 ) السيرة الحلبية 2 / 22 . ( 3 ) زاد المعاد 2 / 96 .