صفي الرحمان مباركفوري

225

الرحيق المختوم

وكان أبو سفيان أشد تأليبا على المسلمين بعد ما رجع عن غزوة السويق ، خائبا لم ينل ما في نفسه ، بل أضاع مقدارا كبيرا من تمويناته في هذه الغزوة . وزاد الطينة بلّة - أو زاد النار إذكاء ، إن صح هذ التعبير - ما أصاب قريشا أخيرا في سرية زيد بن حارثة من الخسارة الفادحة التي قصمت فقار اقتصادها ، وزودها من الحزن والهم ما لا يقادر قدره ، وحينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة تفصل بينهم وبين المسلمين . قوام جيش قريش وقيادته ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها ، واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش ، ورأى قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء ، حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم ، وكان عدد هذه النسوة خمس عشرة امرأة وكان سلاح النقليات في هذا الجيش ثلاثة آلاف بعير ومن سلاح الفرسان مائتا فرس « 1 » جنبوها طول الطريق ، وكان من سلاح الوقاية سبعمائة درع . وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب ، وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد ، يعاونه عكرمة بن أبي جهل ، أما اللواء فكان إلى بني عبد الدار . جيش مكة يتحرك تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة ، وكانت التارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب ، ويشف عما سوف يقع من قتال مرير . الاستخبارات النبوية تكشف حركة العدو وكان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية ، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ضمنها جميع تفاصيل الجيش . وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة ، وجدّ في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة - التي تبلغ مسافتها إلى خمسمائة كيلو مترا - في ثلاثة أيام ، وسلم الرسالة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في مسجد قباء .

--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 92 وهو المعروف ، وفي فتح الباري مائة فرس 7 / 346 .