صفي الرحمان مباركفوري

224

الرحيق المختوم

غزوة أحد استعداد قريش لمعركة ناقمة كانت مكة تحترق غيظا على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل الصناديد والأشراف ، وكانت تجيش فيها نزعات الانتقام وأخذ الثأر ، حتى إن قريشا كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم في بدر ، ومنعوا من الاستعجال ، في فداء الأسارى ، حتى لا يتفطن المسلمون مدى مأساتهم وحزنهم . وعلى أثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين ، تشفي غيظها ، وتروي غلة حقدها ، وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة . وكان عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وأبو سفيان بن حرب ، وعبد اللّه بن أبي ربيعة أكثر زعماء قريش نشاطا وتحمسا لخوض المعركة . وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان والتي كانت سببا لمعركة بدر ، وقالوا للذين كانت فيها أموالهم : يا معشر قريش ، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأرا ، فأجابوا لذلك ، فباعوها ، وكانت ألف بعير ، والمال خمسين ألف دينار ، وفي ذلك أنزل اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [ الأنفال : 36 ] . ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة ، وأخذوا لذلك أنواعا من طرق التحريض ، حتى إن صفوان بن أمية أغرى أبا عزة الشاعر - الذي كان قد أسر في بدر فمنّ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأطلق سراحه بغير فدية ، وأخذ منه العهد بأن لا يقوم ضده - أغراه على أن يقوم بتحريض القبائل ضد المسلمين ، وعاهده أنه إن رجع عن الغزوة حيا يغنيه ، وإلا يكفل بناته ، فقام أبو عزة بتحريض القبائل بأشعاره التي كانت تذكي حفائظهم ، كما اختاروا شاعرا آخر - مسافع بن عبد مناف الجمحي - لنفس المهمة .