صفي الرحمان مباركفوري

217

الرحيق المختوم

وأعطى لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب ، وسار بجنود اللّه إلى بني قينقاع ، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم ، فحاصرهم أشد الحصار ، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 ه ، ودام الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة ، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب - الذي إذا أراد خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذف في قلوبهم - فنزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم ، فأمر بهم فكتفوا . وحينئذ قام عبد اللّه بن أبيّ بن سلول بدوره النفاقي ، فألح على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يصدر عنهم عفوا ، فقال : يا محمد : أحسن في موالي - وكان بنو قينقاع حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكرر ابن أبي مقالته ، فأعرض عنه ، فأدخل يده في جيب درعه ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أرسلني ، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا ، ثم قال : ويحك ، أرسلني » . ولكن المنافق مضى على إصراره ، وقال : لا واللّه لا أرسلك حتى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود ، وتحصدهم في غداة واحدة ؟ إني واللّه امرؤ أخشى الدوائر . وعامل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه المنافق - الذي لم يكن مضى على إظهار إسلامه إلا نحو شهر واحد فحسب - عامله بالمراعاة ، فوهبهم له ، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها ، فخرجوا إلى أذرعات الشام ، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم . وقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم أموالهم ، فأخذ منها ثلاث قسي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح ، وخمس غنائمهم ، وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة « 1 » . غزوة السويق بينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامراتهم وعملياتهم ، كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل المغارم ظاهر الأثر ، يتعجل به ؛ ليحفظ مكانة قومه ، ويبرز ما لديهم من قوة ، وكان قد نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ، فخرج في مائتي راكب ليبر يمينه ، حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له : نيب ، من المدينة على بريد أو نحوه ، ولكنه لم يجرأ على مهاجمة المدينة جهارا ، فقام بعمل هو أشبه بأعمال

--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 71 ، 91 ، ابن هشام 2 / 47 ، 48 ، 49 .