صفي الرحمان مباركفوري

214

الرحيق المختوم

يسأل الركبان عن عمير ، حتى أخبره راكب عن إسلامه ، فحلفه صفوان أن لا يكلمه أبدا ، ولا ينفعه بنفع أبدا . ورجع عمير إلى مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام فأسلم على يديه ناس كثير « 1 » . غزوة بني قينقاع قدمنا بنود المعاهدة التي عقدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع اليهود . وقد كان حريصا كل الحرص على تنفيذ ما جاء في هذه المعاهدة ، وفعلا لم يأت من المسلمين ما يخالف حرفا واحدا من نصوصها . ولكن اليهود الذي ملأوا تاريخهم بالغدر والخيانة ونكث العهود ، لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة ، وأخذوا في طريق الدس والمؤامرة والتحريش وإثارة القلق والاضطراب في صفوف المسلمين . وهاك مثالا من ذلك : نموذج من مكيدة اليهود قال ابن إسحاق : مرشاس بن قيس - وكان شيخا ( يهوديا ) قد عسا « 2 » عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم ، يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد ، لا واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتى شابا من يهود كان معه ، فقال : اعمد إليهم ، فاجلس معهم ، ثم اذكر يوم بعاث وما كان من قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، وتنازعوا وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم رددناها الآن جذعة - يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم - وغضب الفريقان جميعا ، وقالوا : قد فعلنا موعدكم الظاهرة - والظاهرة : الحرة - السلاح السلاح ، فخرجوا إليها ، وكادت تنشب الحرب . فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين ، حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، اللّه اللّه ، أبدعوى الجاهلية ، وأنا بين أظهركم ، بعد أن

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 661 ، 662 ، 663 . ( 2 ) عسا الشيخ : كبر .