صفي الرحمان مباركفوري

215

الرحيق المختوم

هداكم اللّه للإسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف بين قلوبكم ؟ » . فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فبكوا ، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ اللّه عنهم كيد عدو اللّه شاس بن قيس « 1 » . هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثارة القلاقل والتحريشات في المسلمين ، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية . وقد كان لهم خطط شتى في هذا السبيل ، كانوا يبثون الدعايات الكاذبة ، ويؤمنون وجه النهار ، ثم يكفرون آخره ، ليزرعوا بذور الشكوك في قلوب الضعفاء ، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مالي ، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء ، وإن كان له عليهم يأكلونه بالباطل ، ويمتنعون عن أدائه ، وكانوا يقولون : إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك ، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل « 2 » . كانوا يفعلون كل ذلك قبل بدر ، على رغم المعاهدة التي عقدوها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يصبرون على كل ذلك ، حرصا على رشدهم ، وعلى بسط الأمن والسلام في المنطقة . بنو قينقاع ينقضون العهد لكنهم لما رأوا أن اللّه قد نصر المؤمنين نصرا مؤزرا في ميدان بدر ، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلوب الأقاصي والأداني ، تميزت قدر غيظهم وكاشفوا بالشر والعداوة ، وجاهروا بالبغي والأذى . وكان أعظمهم حقدا وأكبرهم شرا كعب بن الأشرف - وسيأتي ذكره - كما أن أشر طائفة من طوائفهم الثلاث هم يهود بني قينقاع ، كانوا يسكنون داخل المدينة - في حي باسمهم - وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني ، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحروب ، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة ، وكانوا أشجع يهود المدينة ، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود .

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 555 ، 556 . ( 2 ) ذكر المفسرون نماذج لفعلاتهم هذه في تفسير سورة آل عمران وغيرها .