صفي الرحمان مباركفوري
199
الرحيق المختوم
إبليس ينسحب عن ميدان القتال : ولما رأى إبليس - وكان قد جاء في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي كما ذكرنا ، ولم يكن فارقهم منذ ذلك الوقت - فلما رأى ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه ، وتشبث به الحارس بن هشام - وهو يظنه سراقة - فوكز في صدر الحارس فألقاه ، ثم خرج هاربا ، وقال له المشركون : إلى أين يا سراقة : ألم تكن قلت : إنك جار لنا ، لا تفارقنا ؟ فقال : إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف اللّه ، واللّه شديد العقاب ، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر . الهزيمة الساحقة : وبدأت أمارات الفشل والاضطراب في صفوف المشركين ، وجعلت تتهدم أمام حملات المسلمين العنيفة ، واقتربت المعركة من نهايتها ، وأخذت جموع المشركين في الفرار والانسحاب المبدد ، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون حتى تمت عليهم الهزيمة . صمود أبي جهل : أما الطاغية الأكبر أبو جهل ، فإنه لما رأى أول أمارات الاضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا السيل ، فجعل يشجع جيشه ، ويقول لهم في شراسة ومكابرة : لا يهزمنكم خزلان سراقة إياكم ، فإنه كان على ميعاد من محمد ، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد ، فإنهم قد عجلوا ، فو اللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال ، ولا ألفين رجلا منكم قتل منهم رجلا ، ولكن خذوهم أخذا ، حتى نعرفهم بسوء صنيعهم . ولكن سرعان ما تبدى له حقيقة هذه الغطرسة ، فما لبث إلا قليلا حتى أخذت الصفوف تتصدع أمام تيارات هجوم المسلمين . نعم بقي حوله عصابة من المشركين ، ضربت حوله سياجا من السيوف وغابات من الرماح ، ولكن عاصفة هجوم المسلمين بددت هذا السياح وأقلعت هذه الغابات ، وحينئذ ظهر هذا الطاغية ، ورآه المسلمون يجول على فرسه ، وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدي غلامين أنصاريين . مصرع أبي جهل : قال عبد الرحمن بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن ، فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه :