صفي الرحمان مباركفوري
200
الرحيق المختوم
يا عم ، أرني أبا جهل ، فقلت : يا ابن أخي ، فما تصنع به ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا ، فتعجبت لذلك . قال : وغمزني الآخر ، فقال لي مثلها ، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس ، فقلت : ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه ، قال : فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : أيكما قتله ؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، قال : هل مسحتما سيفيكما ؟ فقالا : لا ، فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السيفين ، فقال : كلاكما قتله ، وقضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء « 1 » . وقال ابن إسحاق : قال معاذ بن عمرو بن الجموح : سمعت القوم ، وأبو جهل في مثل الحرجة - والحرجة : الشجر الملتف ، أو شجرة من الأشجار لا يوصل إليها ، شبه رماح المشركين وسيوفهم التي كانت حول أبي جهل لحفظه بهذه الشجرة - وهم يقولون : أبو الحكم لا يخلص إليه ، قال : فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه ، فلما أمكنني حملت عليه ، فضربته ضربة أطنت قدمه - أطارتها - بنصف ساقه ، فو اللّه ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها . قال : وضربني ابنه عكرمة على عاتقي ، فطرح يدي ، فتعلقت بجلدة من جنبي ، وأجهضني القتال عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي ، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها « 2 » ثم مر بأبي جهل - وهو عقير - معوذ بن عفراء ، فضربه حتى أثبته ، فتركه وبه رمق ، وقاتل معوذ حتى قتل . ولما انتهت المعركة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من ينظر ما صنع أبو جهل ؟ فتفرق الناس في طلبه ، فوجده عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه وبه آخر رمق ، فوضع رجله على عنقه ، وأخذ لحيته ليحتز رأسه ، وقال : هل أخزاك اللّه يا عدو اللّه ؟ قال : وبما ذا أخزاني ؟ أعمد من رجل قتلتموه « 3 » ؟ أو هل فوق رجل قتلتموه ؟ وقال : فلو غير أكار قتلني ، ثم قال : أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال : للّه ورسوله ، ثم قال لابن مسعود - وكان قد وضع رجله على عنقه - لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم ، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة .
--> ( 1 ) صحيح البخاري 1 / 444 ، 2 / 568 ، مشكاة المصابيح 2 / 352 ، وإنما خص بالسلب واحدا منهما لأن الثاني قتل شهيدا في نفس المعركة . ( 2 ) بقي معاذ هذا إلى زمن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه . ( 3 ) أي ليس علي عار فلن أبعد أن أكون رجلا قتله قومه .