صفي الرحمان مباركفوري
195
الرحيق المختوم
القوم ، وحقب أمرهم ، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر ، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة . وهكذا تغلب الطيش على الحكمة ، وذهبت هذه المعارضة دون جدوى . الجيشان يتراءان : ولما طلع المشركون ، وتراءى الجمعان قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغداة » . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر - « إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا » . وعدل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صفوف المسلمين ، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب ، فقد كان في يده قدح يعدل به ، وكان سواد بن غزية مستنصلا من الصف ، فطعن في بطنه بالقدح وقال : استو يا سواد ، فقال سواد : يا رسول اللّه أوجعتني فأقدني ، فكشف عن بطنه ، وقال : استقد ، فأعتنقه سواد ، وقبل بطنه ، فقال : ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال : يا رسول اللّه قد حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك . فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخير . ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بأن لا يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة ، ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص في أمر الحرب فقال : إذا أكثبوكم - يعني كثروكم - فارموهم ، واستبقوا نبلكم « 1 » ، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم « 2 » ، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة ، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش . وأما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال : اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرفه ، فأحنه الغداة ، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم ، وفي ذلك أنزل اللّه : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ، وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ، وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ ، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 19 ] .
--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 568 . ( 2 ) سنن أبي داود في سل السيوف عند اللقاء 2 / 13 .