صفي الرحمان مباركفوري
196
الرحيق المختوم
ساعة الصفر وأول وقود المعركة : وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومي - وكان رجلا شرسا سيئ الخلق - خرج قائلا : أعاهد اللّه لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه . فلما خرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه ، فلما التقيا ضربه حمزة ، فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، يريد أن تبر يمينه ، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض . المبارزة : وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة ، فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة ، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة ، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار ، عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - وعبد اللّه بن رواحة ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار . قالوا : أكفاء كرام ، ما لنا بكم حاجة ، وإنما نريد بني عمنا ، ثم نادى مناديهم : يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي ، فلما قاموا ودنوا منهم ، قالوا : من أنتم ؟ فأخبروهم ، فقالوا : أنتم أكفاء كرام ، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد « 1 » ، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما ، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان ، فأثخن كل واحد منهما صاحبه ، ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة ، وقد قطعت رجله ، فلم يزل صمتا حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر ، حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة . وكان علي يقسم باللّه أن هذه الآية نزلت فيهم : هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ الآية . الهجوم العام : وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة إلى المشركين ، فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة ، فاستشاطوا غضبا ، وكروا على المسلمين كرة رجل واحد .
--> ( 1 ) هذا على ما قاله ابن إسحاق ، وفي رواية أحمد وأبي داود أن عبيدة بارز الوليد ، وعلي بارز شيبة ، وحمزة بارز عتبة . مشكاة المصابيح 2 / 343 .